سيد قطب
2315
في ظلال القرآن
ثم يرسم صورة للجنة ومن فيها . . « لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً » فلا فضول في الحديث ولا ضجة ولا جدال ، إنما يسمع فيها صوت واحد يناسب هذا الجو الراضي . صوت السلام . . والرزق في هذه الجنة مكفول لا يحتاج إلى طلب ولا كد . ولا يشغل النفس بالقلق والخوف من التخلف أو النفاد : « وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا » فما يليق الطلب ولا القلق في هذا الجو الراضي الناعم الأمين . . « تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا » . . فمن شاء الوراثة فالطريق معروف : التوبة والإيمان والعمل الصالح . أما وراثة النسب فلا تجدي . فقد ورث قوم نسب أولئك الأتقياء من النبيّين وممن هدى اللّه واجتبى ؛ ولكنهم أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، فلم تنفعهم وراثة النسب « فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا » . . ويختم هذا الدرس بإعلان الربوبية المطلقة للّه ، والتوجيه إلى عبادته والصبر على تكاليفها . ونفي الشبيه والنظير : « وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ، لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ ، وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا . رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ، فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ . هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ؟ » . . وتتضافر الروايات على أن قوله : « وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ . . » مما أمر جبريل عليه السلام أن يقوله للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ردا على استبطائه للوحي فترة لم يأته فيها جبريل . فاستوحشت نفسه ، واشتاقت للاتصال الحبيب . فكلف جبريل أن يقول له : « وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ » فهو الذي يملك كل شيء من أمرنا : « لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ » وهو لا ينسى شيئا ، إنما ينزل الوحي عندما تقتضي حكمته أن ينزل « وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا » فناسب بعد ذلك أن يذكر الاصطبار على عبادة اللّه مع إعلان الربوبية له دون سواه : « رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما » . . فلا ربوبية لغيره ، ولا شرك معه في هذا الكون الكبير . « فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ » . . اعبده واصطبر على تكاليف العبادة . وهي تكاليف الارتقاء إلى أفق المثول بين يدي المعبود ، والثبات في هذا المرتقى العالي . اعبده واحشد نفسك وعبئ طاقتك للقاء والتلقي في ذلك الأفق العلوي . . إنها مشقة . مشقة التجمع والاحتشاد والتجرد من كل شاغل ، ومن كل هاتف ومن كل التفات . . وإنها مع المشقة للذة لا يعرفها إلا من ذاق . ولكنها لا تنال إلا بتلك المشقة ، وإلا بالتجرد لها ، والاستغراق فيها ، والتحفز لها بكل جارحة وخالجة . فهي لا تفشي سرها ولا تمنح عطرها إلا لمن يتجرد لها ، ويفتح منافذ حسه وقلبه جميعا . « فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ » . . والعبادة في الإسلام ليست مجرد الشعائر . إنما هي كل نشاط : كل حركة . كل خالجة . كل نية . كل اتجاه . وإنها لمشقة أن يتجه الإنسان في هذا كله إلى اللّه وحده دون سواه . مشقة تحتاج إلى الاصطبار . ليتوجه القلب في كل نشاط من نشاط الأرض إلى السماء . خالصا من أوشاب الأرض وأوهاق الضرورات ، وشهوات النفس ، ومواضعات الحياة . إنه منهج حياة كامل ، يعيش الإنسان وفقه ، وهو يستشعر في كل صغيرة وكبيرة طوال الحياة أنه يتعبد اللّه ؛ فيرتفع في نشاطه كله إلى أفق العبادة الطاهر الوضيء . وإنه لمنهج يحتاج إلى الصبر والجهد والمعاناة . فاعبده واصطبر لعبادته . . فهو الواحد الذي يعبد في هذا الوجود والذي تتجه إليه الفطر والقلوب . . « هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ؟ » . هل تعرف له نظيرا ؟ تعالى اللّه عن السمي والنظير . .